الأحد، 23 أكتوبر، 2016

الوندال الجرمانيون و حقيقة الألوان الفاتحة عند الأمازيغ (بحث تفصيلي)


لطالما طرح موضوع "الوندال" في أكثر من مناسبة من طرف منظري التيار القومي العربي لأثبات أصول أوروبية للأمازيغ قبل الفترة الأسلامية خصوصا ذوي البشرة البيضاء منهم في منطقة بلاد المغرب الكبير و الحزام الأطلسي الجبلي الممتد بين تونس و المغرب مرورا بالجزائر...

وخلافا للفترة الأموية و العباسية، فقد ترك الوندال أثار و تركة تاريخية لهم في شمال أفريقيا و جنوبي أوروبا تثبت تواجدهم في البحر المتوسط طوال مائة سنة. على عكس الأمويين و العباسيين اللذين لم يتركوا أثارات تثبت وجودهم في نفس الفضاء ولو على قلتها و ندرتها.

لكن، الأهم في الموضوع هو هل ترك الوندال الجرمان بصمات أو تأثيرات جينية عبر التزاوج مع الأمازيغ بمعنى هل لهم أحفاد يعيشون بيننا الأن في شمال أفريقيا؟

من هم الوندال؟

الوَندال (أو الفَندال) هم إحدى القبائل الجرمانية الشرقية (مواطنها بين أسكندلافيا و شرقي ألمانيا)، اقتطعوا أجزاء من الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس الميلادي وأسسوا لهم دولة في شمال أفريقيا مركزها مدينة قرطاج وضموا إليها جزيرة صقلية والعديد من جزر البحر المتوسط.

دخول الوندال لشمال أفريقيا

وقبل أنطلاقهم نحو شمال أفريقيا، سكنوا جنوب إيبيريا لمدة من الزمن وفي سنة 435 ميلادية منح الرومان لجايسريك (ملك الوندال) مناطق في شمال أفريقيا بموجب صفقة سياسية.

فبدأ الوندال ببناء سفن تقلهم نحو الضفة الأخرى لمضيق جبل طارق وقامو بعبور الجزء الغربي لشمال أفريقيا عبر مسالك جبال الأطلس بموافقة مبدئية من الأمازيغ (للسماح لهم بمواجهة حلفاء روما) ولتحقيق مكاسب سياسية منها الاستقلال عن سلطة روما و بموافقتها، وفي سنة 439 ميلادية، سقطت قرطاج في يد الوندال وبعدها قام جايسريك بغزو صقلية وسردانية وقرشقة وجزر البليار وأدخلهم في ملكه.

مناطق نفوذ الوندال و مواجهة الأمازيغ

وعند توسعهم في جزر البحر المتوسط الغربية، أستطاع الوندال أبعاد وصد هجمات الرومان في حين لم يستطع الوندال التوسع في في أفريقيا الشمالية كثيرا و بقيت حدودهم حول ما يعرف حاليا ب (تونس) و الشريط الساحلي الشرقي للجزائر، في حين لم يستطعوا أخضاع مقاطعة طرابلس الليبية و لا نوميديا الوسطى و الغربية و موريطانيا الطنجية و القيصرية.

المملكة الوندالية في أقصى توسعاتها سنة 470ميلادية


وعلى مايبدو، فأن التواجد الوندالي لم يكن مرحبا به من طرف الساكنة المحلية فقد كان اختلاف عقائد الوندال مع روما الكاثوليكية أو دوناتيي قرطاج مصدرا لتوتر وصراع دائم بينهم. فأغلب ملوك الوندال باستثناء هلدريك قاموا باضطهاد الكاثوليك حلفاء روما إبان حكمهم في شمال أفريقيا إذ قاموا بنفي كهنتهم وتدمير كنائسهم وحتى تحريم اعتناقهم للأريوسية دين الوندال.

ماجعل الوندال في مواجهة مباشرة مع الرومان و البيزنطيين بدون تواجد حلفاء لهم خصوصا على خط المدن الموالية لروما كقرطاج و هيبو-ريجيوس Hippo Regius اللتان تعرضتا لنقص حاد في ساكنتهما بسبب سياسات الوندال المعادية لهما في حين بقي الأمازيغ على حافة الصراع وعلى الحياد (ولو مؤقتا، خصوصا في عهد التأسيس) وتحكموا في الأقتصاد و الزراعة اللذي كان يعتبر رئة الأمبراطورية الرومانية سابقا، لكون شمال أفريقيا أغنى مقاطعات روما و أساس قوتها، ما أضعف كثيرا المملكة الوندالية، مايفسر سبب اخر من اسباب توجه الوندال نحو غزو جزر صقلية و سردينيا و التوجه نحو روما.

أنقراض الوندال من شمال أفريقيا

تعرض الوندال و بشكل مستمر لهجومات و ضغوط ألحقت بهم خسائر عسكرية أضعفت من مساحة تمدد مملكتهم في شمال أفريقيا من طرف الأمازيغ و أصبحوا فقط يسيطرون على ثلث مساحة تونس الحالية، فيما فقدوا الكثير من الأراضي منذ عهد أخر ثلاث ملوك وندال من أصل خمسة حكموا شمال أفريقيا و ذالك منذ عهد الملك Thrasamund ثرازاموند (496–523 ميلادية).

وما كاد جيليمير Gelimer يتولى الحكم حتى قتل هيلديرك Hilderic و أتباعه ونشبت بسبب ذلك حرب برية بحرية بينه و بين الإمبراطور جستينيان الأول Justinian I و بلغ أسطول البيزنطيين 500 قطعة و أسطول الوندال 150 قطعة.

و كان القائد البيزنطي بيليزاريوس Belisarius قد عسكر عند قرطاج لمدة أسبوعين و اقتحموها بعد ذلك دون مقاومة وحاول جيليمير أن يجمع فلوله و يستدعي جيشه بسردانيا غير أنه انهزم انهزاما ساحقا وفر بنفسه قبل أن يستسلم لأعدائه الذين نقلوه إلى غالايسيا هو و أسرته حيث عاش بقية حياته، وبانهزامه انتهت دولة الوندال  التي استغرق حكمها قرابة قرن.

رأى بعض المؤرخين ان أعداد الوندال اللتي كانت في شمال أفريقيا مقدرة بحوالي 80ألف شخص في بداية حضورهم، بالاعتماد على نقليات المؤرخ البيزنطي Procopius، في حين يرى المؤرخ Peter Heather أن عدد المحاربين الوندال  محصور فيما  بين 15الف و 20ألف مقاتل.

لكن وبسبب الحروب المتوالية و سياسات التجويع التي مارسها الأمازيغ ضد الوندال بحكم تحكمهم في الأراضي الزراعية و الأقتصاد، بالأضافة للحروب المتوالية معهم و مع غيرهم، كل ذالك أدى الى أضعاف أعداد الوندال بشكل كبير، حيث يقول المؤرخ Roger Collins أنه وبعض أنهيار دولتهم، وموت العديد منهم .. ثم نفي الكثير من الوندال نحو القسطنطينة و العمل داخل الجيش الأمبراطوري البيزنطي اللذي أحتواهم، فيما تم سبي نسائهم في مدن شمال أفريقيا بعد سيطرة بيزنطة عليها وما تبقى تم أرساله الى الممالك القوطية بأسبانيا.

وثائقي عن مملكة الوندال، تجدون فيه كل التفاصيل التاريخية المذكورة أعلاه


------------------------------------------------

أذن تاريخيا وكما هو ملاحظ فموضوع "الوندال" شديد الوضوح بتعدد الدراسات التاريخية حوله و توافر الأدلة و الشهادات اللتي تعود بنا الى القرنين الخامس و السادس ميلاديين سواء من طرف الرومان أو البيزنطيين وغيرهم، لكن هناك ألحاح مستمر و متواصل من طرف منظري التيار القومي العربي ب تكرار أطروحة أن الأمازيغ حاليا لهم أصول وندالية-جرمانية؟

مستشهدين بصور لأمازيغ من ذوي البشرة البيضاء و الشعر الأشقر و العيون الفاتحة كدليل على أصول وندالية-جرمانية
 بحد زعمهم،  بل هناك من قال أن الأمازيغ جينيا مختلطون بالوندال و كثير منهم هم من أحفادهم؟

رغم أن ان هته الادعاءات لا دليل تاريخي  يساندها، بل حتى الباحثون الغربيون أنفسهم لا يجرئون على القول أن الأمازيغ بهم دماء وندالية، وعلى أي .. فالنرى هل علم الجينات يساند هته المزاعم؟

حاليا تعتبر الهابلوغروبات الأبوية التالية، مكونات أصلية للشعب الجرماني التاريخي اللذي عمر شرق و وسط أوروبا و شمالها و ظهر بشكل أساسي بعد العصر البرونزي وهي كالتالي: 
  •  I2-M223
  • R1a-Z284
  • R1b-U106
  • R1b-L238
وكما هو ملاحظ في الخريطة اللتي تمثل الهابلوغروبات الجرمانية، فهي غائبة تماما عن شمال أفريقيا وتظهر بنسبة ضعيفة جدا خارج أوروبا خصوصا بتركيا.


صور أمازيغ بشعر أشقر و أحمر (الشعر الفاتح) و عيون فاتحة


قد يتسائل سائل ويقول ان لم يكن الوندال الجرمان سبب الألوان الفاتحة في العيون و الشعر عند الأمازيغ فمن أين أكتسبوه؟

الجواب بكل بساطة، هو ان الألوان الفاتحة عند الأمازيغ فيما يخص عيونهم و بشرتهم و شعرهم راجع بالأساس الى ألية التطور و الـتأقلم و الأنتقاء الطبيعي، فالأمازيغ و كبقية البشر من العرق الأبيض، يمتلكون جينا يسمى ب OCA2 وهو موجود في كروموسوماتهم.

OCA2 يعمل على تشفير البروتين P اللذي يساعد على أنتاج الميلانين اللذي يمنح التعددية في أكتساب الألوان الفاتحة لكل من العيون و البشرة و الشعر، حيث يعمل على ايقاف القدرة عند الجين المجاور ل OCA2 لكي لا يحفظ اللون البني للعين في القزحية، ما يسمح بتمييع اللون و كسبه ألوانا وخصوصا اللون المخضوضر اللذي يتميز به كثير من الأمازيغ.

وكما هو معروف فأن خاصية تخليق الفيتامين D في الجلد مرتبطة أيضا بنسبة تلقي الأشعة فوق بنفسجية، وكلما كانت النسبة شحيحة كلما زادت حاجة الجينات من مساهمتها في تشفير البروتينات المسؤولة عن الألوان الفاتحة المستقبلة لأكبر كمية للأشعة البنفسجية لتعويض النقص في الفيتامين D.

معظم شمال افريقيا تقع شمال خط العرض المشبع بقصف دائم للاشعة الفوق بنفسجية الضعيفة


وبما أن المغرب الكبير يقع على مستوى شمال خط العرض اللذي يتلقى أشعة فوق بنفسجية ضعيفة فأن خاصية تفتيح البشرة و الشعر و العيون نحو الألوان الفاتحة ستكون نتيجة طبيعية لتوفير حاجيات الجسم من الفيتامين D، لكن المناطق المرتفعة في المغرب و شمال أفريقيا تصلها كميات ضعيفة من الأشعة الفوق-بنفسجية مقارنة بالسواحل و المناطق الداخلية، ما يجعل جينات الأمازيغ مضطرة  الى أكتساب ألوان فاتحة في العيون و البشرة و الشعر أكثر فأكثر.

وهذا مايفسر، سبب تواجد أمازيغ بشعر أشقر و بني فاتح و أحمر و عيون خضراء و تارة زرقاء شاحبة خصوصا في مرتفعات الأطلس و الريف و القبائل.

مع العلم، أن كثير من أطفال الأمازيغ يولدون بشعر أشقر أو أحمر لكن سرعان مايفقدون تلك الألوان في شعرهم عند بلوغهم سن الرشد لتتحول الى بني فاتح. وهذا يدل أن عملية التطور جارية على المستوى المحلي يساعدها في ذالك عملية الانتقاء الطبيعي في أختيار الشريك.

في الصورة أسلفه مقياس حراري لشمال أفريقيا خلال فصل الشتاء، حيث تنزل درجات الحرارة الى مادون 10درجات تحت الصفر في المرتفعات، مايعني ان الأشعة الفوق-بنفسجية ستكون ضعيفة بالتالي فأن أجسام الأمازيغ مضطرة لتخليق الفيتامين بشكل أكبر عبر تفتيح ألوان أجسادها لجلب أكبر كمية ممكنة من الأشعة.


و للأحاطة، فأن اللون الأزرق للعيون مثلا ظهر في محيط البحر الأسود لمهاجرين قادمين من البحر الأبيض المتوسط حدث لسلف مشترك بينهم طفرة جينية تسببت للون عينه البني الى تميعه و تحوله للون أزرق ناصع، ما يعني أن الأوروبيين من ذوي العيون الزرقاء ينحدرون مباشرة من سلف متوسطي حدثت له طفرة في محيط البحر الأسود.

وهذا ينفي بشكل أو بأخر، علاقة ألوان العيون و البشرة و الشعر بالجنس الجرماني او الاوروبي بشكل عام بل و يربطه كنتيجة للتطور ليس ألا و بأصول مرتبطة بجنس البحر الأبيض المتوسط القديم اللذي يعتبر الأمازيغ أساسه.

وأخيرا قبل الختم، لابد من التذكير أن القرينات الأنثروبولوجية و الأركيولوجية أثبتت أن ساكنة شمال أفريقيا تمتعت بالألوان الفاتحة قبل وصول الوندال أليها منذ ألاف السنين.

نساء من الفترة النيولوثية بشعر أحمر و أشقر و بني من صحراء تاسيلي بالجزائر


المصريون القدماء من عهد المملكة القديمة بين (2345-2181 ) سنة قبل الميلاد، بعيون فاتحة و زرقاء


رسومات و مومياءات ملكية مصرية قديمة يظهر فيها الشعر الأشقر و الأحمر 



وأخيرا أمازيغ جزر الكناري (الغوانش) حيث وجدهم الأسبان بشعر بني فاتح و أشقر و أحمر 


رابط

إرسال تعليق