الأحد، 21 أغسطس، 2016

جينات نيادرتالية وأخرى بشرية-بدائية ساهمت في بناء جهاز المناعة عند الأنسان العاقل وأصابته بأمراض الحساسية


خلص بحث علمي جديد إلى أنه من الحري بالبشر أن يتقدموا بالشكر لأسلافهم من إنسان النياندرتال Neanderthal على منحهم المورثات المكافحة للأمراض من جهة، وابتلائهم ــ من جهة أخرى ــ بأمراض الحساسية.

وأشارت دراستان جديدتان نشرتا في السابع من يناير في مجلة علم الوراثة البشري الأمريكية إلى أن العوامل الوراثية المختلفة التي عثر عليها عند البشر الحاليين -والتي جاءت بالأصل من إنسان النياندرتال- قد تجعل الجهاز المناعي عند البشر عرضة للتفاعلات المفرطة تجاه العوامل البيئية المثيرة للحساسية.

ومع ذلك، فقد يكون لهذه المورثات التي منحنا إياها الإنسان البدائي أثر نافع. فقد توصلت الدراسات أيضاً إلى أن التهجين الحاصل مع شبيهات الأنسان العاقل كالنيادرتال وغيره ربما قد ساعد البشر القدماء ــ والذين قدموا من قارة إفريقيا ــ على أن يكون لهم سبق الاستيطان في قارة أوروبا.

من ناحية أخرى، أشارت جانيت كيلسو Janet Kelso من معهد ماكس بلانك لعلم البشريات التطوري Evolutionary Anthropology في لايبتزيغ، ألمانيا في تصريح لها إلى أن الإنسان البدائي (النياندرتال) ــ على سبيل المثال ــ قد عاش في أوروبا وغرب آسيا لفترة تقارب مئتي ألف عام قبل قدوم الإنسان الحالي، وكان متأقلماً بشكل جيد مع المناخ المحلي وأصناف الغذاء والعوامل الممرضة. وتضيف قائلة: ” لقد اكتسبنا ــ نحن البشر الحاليون ــ هذه التكيفات المفيدة عبر عملية التهجين (التزاوج) التي حصلت ما بين البشر القدماء والإنسان البدائي.

الحب المتبادل بين الأنواع (الأجناس):

تزاوج الإنسان البدائي مع البشر عندما هاجروا لأول مرة من إفريقيا نحو أوروبا منذ حوالي خمسين ألف عام مضت، وقد دلت الدراسات على أن آخر عملية جماع ما بين البشر والإنسان البدائي يحتمل أن تكون قد حصلت منذ قرابة سبعة وثلاثين ألف عام.

وقد أفادت الدراسات الوراثية بأنه كنتيجة لهذا التهجين الحاصل، فإن ما يقارب 2.5 بالمئة من الدنا الخاص بسكان أوروبا الحاليين قد جاء من الإنسان البدائي، بينما أشار بحث آخر إلى أن ما يزيد على ستة بالمئة من الDNA الحالي قد تشكل مع البشر القدامى. تضم  مجموعة الإنسان القديم كلاً من الإنسان البدائي (النياندرتال)، وسلالة أخرى من أسلاف البشر الذين عاشوا في سيبيريا وتدعى الدينيصوفان Denisovans.

من ناحية أخرى، أشارت أبحاث سابقة إلى أن العديد من المورثات التي ورثها الإنسان الحالي من الإنسان البدائي تلعب دوراً في جهاز المناعة عند الإنسان المعاصر، بالرغم من أن هذا الدور لا يزال غير واضح.

لقد أجرى العلماء ــ في الدراسة الجديدة ــ بحثاً شاملاً على مجموعة واسعة من الدنا الحديث حصلوا عليها من مشروع الألف جينوم 1000 Genomes Project، وقارنوا هذا الدنا العائد للبشر الحاليين مع الجينوم العائد للبشر القدامى، حيث ركزوا خلال الدراسة على حوالي 1500 مورثة وجد سابقاً أنها تلعب دوراً في خط الدفاع الأول للجسم ضد الجراثيم والفيروسات والذي يدعى جهاز المناعة الفطرية (المتأصلة) Innate Immune System.

قام الفريق بعد ذلك برسم خط زمني يحدد التاريخ الذي أصبحت فيه التغيرات في بعض هذه المورثات منتشرة بين السكان، كما حددوا ما إذا كانت هذه التغيرات قد ورثت من الإنسان القديم مثل النياندرتال، أم لا.

وجد الباحثون أن معظم التغيرات الطارئة على هذه المورثات قد حصلت في فترة امتدت بين 6 آلاف وحتى 13 ألف عام مضت، ولم يكن ذلك الاكتشاف يدعو للدهشة إذا أخذنا بعين الاعتبار تحول نمط حياة البشر في تلك الفترة من حياة الصيد إلى حياة زراعية. وبالرغم من ذلك، فقد تبين وجود ثلاث مورثات خضعت لعملية تغيُّر قبل ذلك التاريخ في فترة قريبة من المرة الأولى التي تقابل فيها الإنسان الحالي مع الإنسان البدائي.

كانت هذه المورثات تحتوي على التعليمات اللازمة لتركيب مجموعة من البروتينات التي يطلق عليها اسم المستقبلات الشبيهة بالتول (Toll-like receptors (TLRs. هذه البروتينات ــ وبالتحديد البروتينات 1 و6 و10 ــ تتوضع على سطح الخلية وترتبط مع العوامل الغريبة التي تغزو الجسم مثل الجراثيم والفطريات، وهذا بدوره سوف يُفعّل بقية أجزاء الجهاز المناعي كي تكافح الإنتان.

بحث فريق كيسلو ــ على نحو مستقل ــ عن قطع الDNA الممدود الأكثر تشابهاً لدى البشر والنياندرتال والدينيصوفان. وعلى نحو مشابه قادهم هذا البحث إلى مورثات TLR  1 و6 و10.

وصرح الباحثون بأنه فيما يخص البشر، فإن الأشخاص الذين يمتلكون نسخة قديمة من تلك المورثات يكون لديهم استجابة أقوى تجاه الجراثيم مثل الملتوية البوابية Helicobacter Pylori مقارنة بالأشخاص الذين يمتلكون أشكالاً مغايرة من هذه المورثات.

من ناحية أخرى صرحت كيسلو بأن ما تمخضت عنه دراستهم وعملهم، هو أن التهجين الحاصل مع البشر القدامى كان له بالفعل تداعيات وظيفية على الإنسان الحديث، وأن أكثر النتائج وضوحاً كانت تتجلى في صياغة نمط تأقلمنا مع بيئتنا، مما عزز كيفية مقاومتنا للعوامل الممرضة وآلية استقلابنا للأطعمة الجديدة.

غير أن الاستجابة المناعية مفرطة الحساسية قد يكون لها جانب سلبي، فقد أشارت الدراسات المجراة على المجموعات السكانية الضخمة إلى أن الأشخاص الذين يمتلكون نمطاً قديماً من المورثات معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بالأمراض التحسسية، والتي تحدث عندما يستجيب جسم الشخص للمحرضات البيئية الطبيعية كما لو كانت تشكل تهديداً خطيراً للجسم.

إرسال تعليق