الأحد، 31 يوليو، 2016

طارق بن زياد بين الأسطورة و تاريكس القوطي


كثير من الدراسات الأكاديمية و النقدية تشكك في رواية فتح الاندلس المعتمدة على التراث الأسلامي، يرى الاسباني أنطونيو غالا ان أسم "طارق" هو حديث في اللغة الفراهيدية و السيبويهية (اللغة العربية) ، اذا تم مقارنتها باوائل القواميس و المعاجم ( قاموس أبن منظور و قاموس المحيط للفيروز أبادي و قاموس مقاييس اللغة لأحمد بن فارس).
لذالك فأسم "طارق" بن زياد مستحدث و أضيف الى قائمة الاسماء العربية ومن المستبعد جدا أن يكنى او يسمى به شخص من أصول أعجمية وخصوصا أن كان أمازيغيا في العصر الوسيط، لذالك فان قصة طارق بن زياد تعتبر حكاية أسطورية لماضي ضبابي، لذا إقترح أن يكون طارق هو تصحيف لإسم قائد قوطي منشق: تاريكس، على وزن رودريكس (لذريق:أخر ملوك القوط) على الصورة.

يرى أولاغيIgnacio Olagüe أن أخبار فتح الأندلس بدئ بكتابتها بعد قرن من تاريخ حدوثها، وقد كتبت اعتماداً على بعض الروايات المصرية التي سمعها طلاب جاؤوا من الأندلس إلى القاهرة.. 
فسمعوا ما سمعوا عن الفتح المزعوم. وإذن، وبعد مئة سنة من دخول العرب إلى الأندلس، راح المسلمون يبالغون في وقائع الفتح إلى حد الأساطير. ولكن المسيحيين، في المقابل وجدوا أن خرافة الفتح تناسبهم لتفسير هذا التحول في إسبانيا.. نحو الإسلام.

ولكن أي إسبانيا هذه التي تحولت؟ إنها إسبانيا "الآريوسية" الموحدة.

لقد كان بين الطلاب الأندلسيين العائدين من القاهرة "ابن حبيب"" الذي وضع كتاباً في التاريخ ضمَّنه المعلومات التي سمعها في شأن الغزو.

وكان هذا الكتاب مفتاح كل ما بني بعد ذلك في مسألة اجتياح العرب إسبانيا. ولكي نأخذ فكرة عن أهمية هذا الكتاب، يذكّرنا إغناسيو أولاغي، بما قاله المؤرخ الألماني "راينهارت دوزي" في كتابه "بحث في إسبانيا. تاريخها وأدبها في القرون الوسطى": "ألم يتكون لديك أيها القارئ انطباع بأنَّ ما تقرأ لدى ابن حبيب هو أقرب إلى نصوص ألف ليلة وليلة"..

يقول أولاغي: لو تم غزو إيبريا عربياً سنة 711م لكان كثير من المؤرخين الذين عاصروا تلك الفترة شهدوا على هذا الحدث الكبير. ولو فرضنا أن الحرب الأهلية أتلفت جميع الشهادات، لكان ينبغي أن تشير أخبار القرن التالي -يعني الثامن الميلادي- إلى هذا الحدث الكبير، ولو في نص واحد على الأقل. "وعندما يتعلق الأمر بغزو ما، فلا يمكن أن يكون دور الغزاة غامضاً، فالغزاة والمغزوون هنا متمايزون بشكل واضح. الغزاة من شعب غريب يحملون عادات ومفاهيم ثقافية تنتمي إلى حضارة أخرى يجهلها أبناء البلد المغزو.

لكن.. لم يظهر شيء من هذا القبيل في مانعرفه من تلك الحقبة. أما الأخبار التي نقلها ابن حبيب وزملاؤه في القرن التالي عن رواة القاهرة، فلم تنتشر وتترسخ في الرأي العام إلا ثمرة جهود استمرت قروناً طويلة. وحتى.. بعد مئة سنة من نشر كتاب ابن حبيب، لم يقبل الرواة البربر الذين نقَلوا معظم روايات الكتاب، النظرية، وقالوا إن غزو إسبانيا تم فعلاً..

ولكن من قبل المراكشيين(!) وكان يجب الانتظار حتى القرن الثاني عشر -الميلادي- لتتخذ الخرافة -خرافة الغزو- بنية متآلفة وغير متناقضة.

أما.. في الجانب الآخر فقد آثار ظهور الحضارة العربية الإسلامية في إسبانيا عقدة لدى المسيحيين الغربيين. ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية قبلت هذه الخرافة في النهاية على مضض."

ويمحص المؤرخ الإسباني مسألة عبور طارق بن زياد المضيق، بناء على رواية ابن حبيب بالطبع مشيراً في البداية إلى الصعوبات الجغرافية بقوله:
"للوصول إلى إيبيريا كان على العرب أن يجتازوا المضيق البحري الذي يفصل إفريقيا عن أوروبا. الجمل "سفينة الصحراء" الذي يسبب "دوار البحر" لمن يمتطيه دون خبرة. إنه سفينة صحراوية وليست بحرية. كذلك البربر، لم تكن لديهم سفن بحرية. حتى لو تزود العرب بالزوارق، فقد كان عليهم أن يجدوا الربابنة المهرة، خاصة أن مضيق جبل طارق الذي يصل ما بين البحر المتوسط الخالي من المدّ والجزر وبين الأطلسي، يشكل ممراً لتيارات قوية تسير في الاتجاهين، وتهزه على نحو دائم رياح عنيفة. إنه ممر خطير للغاية، ويعرف أنه مقبرة البواخر.".

حكاية الزوارق الأربعة .. والغزو

ثم ينتقل أولاغي إلى التدقيق في جانب آخر من الموضوع حسب ما ورد في "أخبار مجموعة" المنسوب إلى ابن حبيب(*) قائلاً:

"أعار المدعو أولبان- يوليان- العرب أربعة زوارق، لا يزيد الحد الأقصى لحمولة الزرق الواحد عن خمسين رجلاً إضافة إلى البحارة، ويحتاج طارق في هذه الحالة، لنقل جيشه إلى خمس وثلاثين رحلة، أي: سبعين يوماً.. تقريباً. ذاك أن هذا النوع من الزوارق يحتاج، على الأقل إلى يوم واحد ليقطع المسافة، وإذا حسبنا الأسابيع ذات الطقس الرديء، التي تتوقف فيها الرحلات، بلغت هذه المدة ثلاثة أشهر، ولا يمكن أن يتم إبحار كهذا، إلا إذا استطاع النازلون على شواطئ إسبانيا النجاة من مجزرة"

يستطرد المؤرخ الإسباني في الاتجاه نفسه فيقول:

"ينبغي القيام بمئة رحلة على الأقل، لنقل رجال طارق السبعة آلاف في ظروف عادية وشعب بحريٌّ وحده، من مثل أبناء مدينة قادش Cadés، على نحوٍ أساسي يستطيع أن ينجز مثل هذه العملية. خاصة أن شعب هذه المدينة وهي ساحلية تقع جنوب إسبانيا- كان يقوم برحلات إلى انكلترا منذ الألف الثالث قبل الميلاد بحثاً عن القصدير. فضلاً عن أن بحارة قادش تمكنوا من الإبحار بمحاذاة شاطئ إفريقيا الغربي. وربما توصلوا إلى الدوران حول إفريقيا."

يضيف أولاغي "أن هؤلاء البحارة هم الذين ساعدوا "الفاندال Les Vandales" الجرمان على الانتقال في الاتجاه المعاكس. وبعد مرحلة من الانحطاط البحري كان بحارة قادش مازالوا قادرين، في أوائل القرن الثامن، على امتلاك زوارق تستطيع نقل الجيوش. والسؤال هو: لماذا أدّى هؤلاء الأندلسيون هذه الخدمة إلى الذين جاؤوا لإخضاعهم. فلو سلّمنا أن "طارق" خدع الإيبيريين ونجح في إخفاء نواياه، فلماذا ساعد هؤلاء البحارة موسى بن نصير في نقل الدعم لطارق بعد بضعة أشهر؟!".

وفي المقابل يقول الدكتور شاكر مصطفى إن المؤرخين يتحدثون عن إحراق السفن التي جاء طارق عليها ليقطع أملهم في العودة، أو ليجعل العرب الذين لا يثقون به، يؤمنون أنه جعل نفسه والبربر الذين معه أمام مصير واحد.

رواية تشبه الخيال المسرحي

إنه رأى أن الشكوك تحوم حول هذه الرواية كلها التي تشبه الخيال المسرحي، فقصة إحراق المراكب إنما رواها أول من رواها الإدريسي في "نزهة المشتاق" وابن الكردبوس، وهما من القرن الهجري السادس، ثم رواها "الحميري" صاحب: أرض المعطار" بعدهم..
 فلماذا لم يذكرها المؤرخون السابقون على مدى خمسة قرون سابقة؟ 
والعملية نفسها، تروى عن عدد من القواد الذين سبقوا طارقاً، ومنهم كما يذكر الدكتور مصطفى: "أرياط الحبشي" الذي عبر البحر إلى اليمن، والقائد الفارسي الذي رافق سيف بن ذي يزن إلى اليمن و"أسد بن الفرات" فاتح صقلية إلخ. "ولماذا يحرق طارق السفن ولا يأمرها بالعودة إلى ساحل المغرب؟" "وكيف يحرق أسطولاً لا يملكه؟!"

.. أما قصة خطبة طارق بن زياد فهي قصة أخرى. وهي التي تنسب إليه وفيها يقول: "أيها الناس، أين المفر؟! البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، وليس لكم والله إلا الصدق والصبر. واعلموا أنكم في هذه الجزيرة، أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام. وقد استقبلكم العدو بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا قوت إلا ما تستخلصونه من عدوكم...".

.. يقول د. شاكر مصطفى: إنها بليغة جميلة شائعة، ولكن الشكوك تحف بها بدورها. فمن أين لابن زياد هذه البلاغة؟ وكيف يخاطب جنداً كانوا في جمهرتهم من البربر الذين لا يفقهون العربية؟!

بدوره يقول الدكتورالمغربي عبد اللطيف أكنوش، أنها مسألة تاريخية "مستفزة" و تتعلق بشخصية القائد العسكري "طارق بن زياد"، مشككا في صحة خطبته الشهيرة التي قال فيها "أيها الناس، أين المفر؟، البحر من ورائكم والعدو من أمامكم".

وأورد اكنوش أنه تراءى له أن يسأل عن "الفارس البطل الذي فتح الأندلس، وقام "بنشر الإسلام" في هذا البلد الأوروبي خلال القرن الثامن الميلادي"، مضيفا أنه بتمعن "الخطبة" الشهيرة التي تعرف باسم "بطلنا البربري"، وجدتموها مطبوعة بالحماس والتجييش وإيقاظ الهمم".

وأردف الباحث أن "هذه الخطبة تبدو عربية قحة لا يشق لها غبار، تذكرنا بلغة علي بن أبي طالب، وابن تمام، وقس بن ساعدة، وغيرهم من جهابذة اللغة العربية"، قبل أن يتساءل "متى كان رجل بربري معجون بتراب بلدنا هذا، جديد العهد بالإسلام وبلغته العربية، قادرا على "نسج" خطبة بهذا المستوى من اللغة، بإيحاءاتها ومفرداتها الغريبة وإعرابها ونحوها".

واستطرد أستاذ العلوم السياسية قائلا "أبناء جيلي من المستعربين غرفنا من العربية منذ نعومة أظفارنا، ونجد أنفسنا عاجزين حتى عن قراءة وفهم "خطبة طارق بن زياد" من القراءة الأولى، فكيف لطارق"، مشككا في أن يكون لرجل بربري مغربي أسلم البارحة، اسم عربي هو "طارق"، أو يكون اسم والده "زياد".

وتابع شارحا "أسماء البرابرة آنذاك معروفة لدينا الآن انطلاقا من كتب التاريخ الأجنبية، بل وحتى العربية..نعرف ملوكا سموا "جوبا" و"يوغورتا" و"تيلاكاكين" وغيرها من الأسماء، وما أعرف أن منهم من سمي "طارقا" أو "زيادا" أو غيره" على حد تعبيره.

ونبش اكنوش مسألة ثانية تتعلق بما تتضمنه كتب تاريخ ابن الأثير، والطبري، من قصة تقول إنه في القرن السادس الميلادي، وأثناء الحرب التي اندلعت بين اليمن والحبشة، أن الملك اليمني، "ابن ذي يزن"، لما أحس أن الهزيمة آتية لا ريب فيها، راسل كسرى الفرس طالبا منه المساعدة "مقابل معادن ذهب اليمن وجواهره".

واسترسل "مادام أن ملك الفرس لم يكن مقتنعا بالفكرة لما فيها من مخاطر، أشار عليه ديوانه بأن يخرج من السجن عتاة القتلة وقطاع الطرق، ويمدهم بالسفن والسلاح، ويرسلهم لمساعدة اليمن، مقابل حريتهم إن هم أتوه بالذهب والجواهر التي وعده بها "ابن ذي يزن"...

وفعلا أخرج من السجن ما استطاع أن يخرج، وجعل على رأسهم رجل اسمه "برهام بن رستم"، أي رجل فارسي لا يفقه في العربية قيد أنملة، وعند رسو سفنه الحربية على سواحل اليمن، قام بإحراق السفن وتوجه لجيشه بخطبة: أيها الناس، أين المفر؟ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم..فوالله ليس لكم إلا الصبر فأنت أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام".

ولاحظ اكنوش، ضمن مقالته، أن ما قاله الرجل الفارسي يشبه تماما الخطبة التي ألصقت برجل بربري، زعموا أنه كان يسمى "طارق بن زياد"، وذلك بفارق قرنين من الزمن بين الرجلين، إن صح فعلا وجودهما التاريخي"، على حد تعبير الأستاذ الجامعي.


إرسال تعليق